وهبة الزحيلي

276

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

في الشيء المعنوي على سبيل المجاز ، الذي صار لشهرته حقيقة عرفية . وأصله الادهان : أي جعل الأديم ( الجلد ) مدهونا بمادة زيتية ليلين لينا حسيا . وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أي شكر رزقكم ، وهو المطر . أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ بمانحه وساقيه حيث تنسبون المطر إلى الأنواء ، وتقولون : مطرنا بنوء كذا . والنوء : سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر ، وطلوع رقيبه من المشرق ، يقابله من ساعته ، في كل ثلاثة عشر يوما ، ما خلا الجبهة ، فإن لها أربعة عشر يوما ، وكانت العرب تضيف الأمطار والرّياح والحرّ والبرد إلى الساقط منها ، وقيل : إلى الطالع منها ، لأنه في سلطانه ، وجمعه : أنواء . فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ أي فلا إذا وصلت الروح وقت النزع الحلقوم ، أي أعلى مجرى الطعام . وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وأنتم يا من يكون حول المحتضر تنظرون إليه ، والواو للحال . وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ أي ونحن أعلم بحال المحتضر منكم ، ولكن لا تعلمون ذلك ، أو لا تدركون كنه ما يجري عليه ، عبر عن العلم بالقرب الذي هو أقوى أسباب الاطلاع . فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ أي فهلا إن كنتم غير مجزيين يوم القيامة ، أي غير مبعوثين بزعمكم . تَرْجِعُونَها تردون الروح إلى الجسد ، بعد بلوغ الحلقوم . إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما زعمتم . والمعنى : هلا ترجعون الروح إلى مقرّها إن نفيتم البعث ، صادقين في نفيه ، بأن تزيلوا الموت الذي يعقبه البعث . ولولا الثانية تأكيد للأولى . وإذا ظرف لفعل : تَرْجِعُونَها . فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ أي إن كان المتوفى من السابقين . فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ فله استراحة ، ورزق حسن طيب ، وجنة ذات تنعم . وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ، فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ أي وإن كان من أهل اليمين ، فسلام من العذاب وتحية لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين ، من جهة أنه منهم . وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ أي من أصحاب الشمال الذين كذبوا باللّه ورسله وضلوا عن الهدى ، وإنما وصفهم بأفعالهم زجرا عنها ، وإشعار بسبب وعيدهم . فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ أي فالنزل المعدّ لك أول قدومك : ماء شديد الحرارة ، والاصطلاء بنار الجحيم وإذاقة حرها . إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ أي إن هذا المذكور في السورة لهو حق الخبر اليقين ، أي الحق الثابت الذي لا شك فيه . فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فنزهه بذكر اسمه عما لا يليق بعظمة شأنه .